أحمد مطلوب
443
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
أوجه « 1 » . الأول : أنّ التورية توهم وجهين صحيحين قريبا وبعيدا ، والمراد البعيد منهما ، والتوهيم يوهم صحيحا وفاسدا والمراد الصحيح منهما . الثاني : أنّ التورية لا تكون إلا باللفظة المشتركة ، والتوهيم بها وبغيرها . الثالث : أنّ ايهام التورية مما يتعمده الناظم ، والتوهيم مما يتوهمه القارئ أو السامع . ويأتي التوهيم على وجوه مختلفة « 2 » ، من ذلك التصحيف كقوله تعالى : أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ « 3 » فإنّ إصابة العذاب أوهمت السامع أنّ لفظة أَشاءُ بالسين المهملة من الإساءة . ومنه قول المتنبي : « وان الفيام . . . » . ومنه اختلاف الاعراب كقوله تعالى : وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ « 4 » فان القياس ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ عطفا على ما قبله ، لكن لما كان الغرض الاخبار بأنّهم لا ينصرون أبدا ألغى العطف وأبقى صيغة الفعل على حالها لتدل على الحال والاستقبال . ومنه اختلاف المعنى كقوله تعالى : وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 5 » فإنه يوهم السامع أنّه غفور للمكره ، وانما هولهنّ . ومنه الاشتراك كقوله تعالى : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ . وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ « 6 » . فان ذكر الشمس والقمر يوهم السامع أنّ النجم أحد النجوم السماوية وإنّما المراد به النبت الذي لا ساق له وبالشجر الذي له ساق . ومن ذلك قول صفي الدين الحلي : وساق من بني الأتراك طفل * أتيه به على جمع الرفاق أملّكه قيادي وهو رقّي * وأفديه بعيني وهو ساقي فان ذكر العين يوهم أنّه أراد بقوله « ساقي » العضو المعروف الذي هو ما بين الركبة والقدم ، وإنما أراد الساقي . قال المدني بعد هذين البيتين : « وتوهم ابن حجة أنّه قصد بذلك التورية فأورد البيتين في باب التورية وقال : لا شك أنّ مراده بالمعنى الواحد من التورية ساقي الراح ، وهو ظاهر صحيح ، وبالمعنى الثاني أن يكون هذا الساقي ساقا للشيخ صفي الدين وهو غير ممكن « 7 » . وهذا عمى بصيرة من ابن حجة عن المقصود ، ولم يقصد الشيخ صفي الدين التورية وإنما قصد التوهيم » « 8 » .
--> ( 1 ) أنوار الربيع ج 6 ص 38 . ( 2 ) تحرير ص 349 ، بديع القرآن ص 132 ، عروس الأفراح ج 4 ص 469 ، أنوار الربيع ج 6 ص 35 . ( 3 ) الأعراف 156 . ( 4 ) آل عمران 111 . ( 5 ) النور 33 . ( 6 ) الرحمن 5 - 6 . ( 7 ) ينظر خزانة الأدب ص 348 ، نفحات ص 280 ، شرح الكافية ص 228 . ( 8 ) أنوار الربيع ج 6 ص 37 .